الشيخ محمد رشيد رضا

176

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أي سيقول هؤلاء المشركون لو شاء اللّه تعالى أن لا نشرك به من اتخذنا له من الأولياء والشفعاء من الملائكة والبشر وأن لا نعظم ما عظمنا من تماثيلهم وصورهم أو قبورهم وسائر ما يذكر بهم - وأن لا يشرك آباؤنا من قبلنا كذلك لما أشركوا ولا أشركنا - ولو شاء أن لا نحرم شيئا مما حرمنا من الحرث والانعام وغيرها لما حرمنا . أي ولكنه شاء أن نشرك هؤلاء الأولياء والشفعاء به وهم له يبوننا اليه زلفى ، وشاء أن نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب وغيرها فحرمناها ، فاتياننا ما ذكر دليل على مشيئة اللّه تعالى له ، بل على رضاه وأمره به أيضا - كما حكى عنهم في آية أخرى بقوله ( 7 : 27 وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها . قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ ، أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) وقيل أرادوا أن مشيئته ملزمة ومجبرة فهم غير مختارين في ذلك . ولما وقع هذا القول منهم بالفعل حكاه تعالى عنهم بقوله في سورة النحل ( 16 : 35 وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) وفي معناه قوله تعالى في سورة الزخرف ( 43 : 19 وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ . ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) وقد رد تعالى شبهتهم هنا بقوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا الخ أي مثل هذا التكذيب من مشركي مكة للرسول ( ص ) فيما جاء به من ابطال الشرك واثبات توحيد اللّه في الألوهية والربوبية ، ومنها حق التشريع والتحليل والتحريم قد كذب الذين من قبلهم لرسلهم . أي مثله في كونه تكذيبا جهليا غير مبني على أساس من العلم . والرسل ولا سيما خاتمهم عليهم الصلاة والسّلام قد أقاموا الحجج العلمية والعقلية على التوحيد وغيره ، وأيدهم اللّه تعالى بالآيات البينات ، ولكن المكذبين لم ينظروا في هذه الآيات نظر الانصاف لاستبانة الحق بل أعرضوا عنها وأصروا على جحودهم وعنادهم حتى ذاقوا بأسه تعالى وهو عذاب الاستئصال للمعاندين الذين اقترحوا على رسلهم آيات معينة فجعلها الرسل نذيرا لهم بالاستئصال فتماروا بالنذر ، وما دونه لغيرهم . ولو كانت مشيئة اللّه لما كانوا عليه من الشرك والمعاصي اجبارا مخرجا لذلك عن كونه من أعمالهم لما عاقبهم عليه